-الاستخـــــلاف-
-القــــــــــــــدر-
الأستاذ رياض الجوادي-متفقد المدارس الإعدادية والمعاهد الثانوية
لقد
خضت لجة هذه المسألة باحثا عن الكلي في الجزئيّ وعن الموضوعي في الذاتي، وعن
المطلق في النسبي، فإذا بي لست شيئا مما قرأت ولكني في كلّ شيء، وإذا الذي أحتاجه
ليس أحدها، بل كلّ واحد منها، ولفت نظري اتفاق الأسلاف وهم يختلفون، يركبون متن
الحقّ في اجتماعهم، وإن ندّ عن كلّ واحد منهم في تفرّقهم، ويُصدرون عن طبيعة الحق
نفسه المنغمس في محيط من الشبهات التي لا يجليها غلا نار المخاصمة، ولا يكشفها إلا
نور الاتهام للمنظور فيه وللنفس معا.
إن
الفكر الإسلامي ضارب بجذوره في واقعه الذي نشا فيه، متفاعل معه، يعتريه ما يعتري
أيّ نتاج بشري من صنوف الاختلاف، وصروف المؤثرات، ولكن في إطار صبغة صبغته عقيدة
التوحيد بها، فكانت قاسما مشتركا بين الجميع وأساسا لوحدتهم الثقافية.
وكان
لا بدّ لي من عدّة أعتدّ بها في بحثين فلم أجد خيرا من قول "عليّ":
"إن الحقّ لا يعرف بالرجال، ولكن اعرف الحقّ تعرف الرجال"، وكان لا بدّ
لي من أنيس يدفع عنّي الوحشة، ويشدّ -في ما أرتاده- أزري، فلم أعثر على آنس من قول
"المبرّد" في "كامله": "ليس لقدم العهد يقدّم القائل، ولا
لحدثانه يهتضم المصيب، ولكن يعطى كلّ ما يستحقّ". وهنا عزمت أن أترحّل، فرسمت
لنفسي خطة جاءت معالمها كالتالي:
I -
معالم التصور القرآني للإنسان:
1-البعد
الواقعي
2-تعدّد
المقوّمات
II-
الاستخلاف أو منزلة الإنسان في الكون:
1-مفهوم
الاستخلاف
2-مؤهلات
الاستخلاف
3-دلالات
الاستخلاف
4-تبعات
الاستخلاف
5-تجليات
الخلافة
III-
المواقف المختلفة من الفعل الإنساني:
1-من
بواعث الاختلاف
2-معالم
الاختلاف
3-دلالات
الاختلاف
IV-
القدر الفاعل: أو خطوات على طريق الواقعية:
1-أصالة
الحرية في الإنسان
2-من
الغيبية إلى الواقعية
3-من
السلبية إلى الإيجابية
خاتمــــة
1-
واقعية التكويـــــن:
يعتبر
القرآن «واقع» الإنسان أصل حياته ومجالها، وأساس نمائها واستمرارها بمستوييها
الجسدي والعقلي:
فأما
"واقعية التكوين الجسدي"، فتتجلى في تأكيد القرآن على أصل
التركيبة الإنسانية، ترسيخا لعمق اتصاله بهذا الواقع الذي يعيش فيه والذي خلق من
أجله، لتمتين علاقته به، تمهيدا لتغييره والإضافة إليه. فالإنسان في القرآن مائي
الأصل مصداقا لقوله تعالى:«والله خلق كل دابة من ماء». وهو في درجة ثانية ترابي
التكوين والآيات في ذلك كثيرة منها قوله تعالى:«هو الذي خلقكم من تراب»، ورغم أننا
لم نقصد بحث مدى علمية هذا التصور بقدر ما يهمنا كثف دلالاته ومراميه، فلا مانع من
الإشارة إلى ما يؤكده البحث العلمي من المطابقة التامة بين تركيب الجسم البشري
الكيمياوي وتركيب التراب. والإنسان في درجة ثالثة نباتي النشأة منه يتغذى وبه ينمو
وفي ذلك يقول تعالى:«والله أنبتكم من الأرض نباتا». وهو في درجة رابعة حيواني الغرائز،
وهو ما يكشفه قوله تعالى: «وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم
أمثالكم»، وغني عن التذكير أن هذه المشابهة بين الإنسان وسائر الحيوان تكاد تكون
تامة من حيث «الدوافع»، ولكنها تختلف إلى حد كبير من حيث «الاستجابة».
وأما "واقعية التكوين العقلي"،
فتجليها «القابليات» الثلاث التي كشفها القرآن في هذا العقل ونوه بها كمظهر من
مظاهر التميز الإنساني في هذا الكون: فأما الأولى فهي قابلية الإنسان للتعلم،
وتؤكدها آيات كثيرة مثل قوله تعالى:«علم الإنسان ما لم يعلم» أو قوله: «وعلم آدم
الأسماء كلها». وأما الثانية فهي قابليته للتعبير عن علمه، والتي كشفها الله في
قوله: «خلق الإنسان علمه البيان». والثالثة قابلية علمه للنماء والزيادة بدون حد،
يبينها قوله تعالى: «وقل رب زدني علما»، ويرفع عنها الحدود ويطلقها من كل قيد قوله
تعالى: «وعلم آدم الأسماء كلها»، ويشحذها ويستفزها إلى المزيد قوله تعالى: «وما
أوتيتم من العلم إلا قليلا». وأستغرب من الذين يعتبرون هذه الآية وأمثالها مثبطة
للعزم الإنساني أو داعية لعدم المبالغة في الطلب تواضعا لله، وعلى هؤلاء وأولئك
يرد مثل قوله تعالى: «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون» وقوله «يرفع
الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات»، وإذا هذه الآيات قبالة قوله:
«وما أوتيتم من العلم إلا قليلا» فهمنا أن الله أراد من الإنسان أن يبحث ويتعلم،
وألا يقنع بما حصل لأن الحقائق أكثر بكثير مما حصل وانتهى إليه. ولذلك قالوا
قديما: «مازال الرجل عالما ما طلب العلم، فإذا قال علمتُ فقد جهل» لأن العلم نسبي
وفي تطور مستمر، ومن وقف عند منتجات اليوم أصبح من الغد جاهلا، لأن الاكتفاء حكم
على الذات بالتوقف والتخلف عن ركب المسيرة المعرفية، فمن اكتفى تجاوزته الأيام.
وهذه
القابليات الثلاث في علاقة وثيقة مع الواقع لأنه هو الذي يضمن فاعليتها، وهو الذي
يصبغها بصبغته، إذ الكفيل باستثمارها والاستفادة منها، تفاعل العقل مع العالم
الخارجي عبر الحواس، وإليه أشار الله تعالى بقوله: «والله أخرجكم من بطون أمهاتكم
لا تعلمون شيئا، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون»
2-
تعدّد المقوّمــــــــات:
"إن
الإنسان في القرآن كما في واقع الحياة ليس ابن جسده فحسب، ولكنه ابن كلّ المقومات
التي تجعل منه إنسانا…"(1) فهو
نتاج عملية تزاوج وقع بين طرف مادي هو الطين (تراب + ماء) وطرف معنوي هو
الروح" إني خالق بشرا من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له
ساجدين" فإذا الإنسان نسيج وحده بأبعاده المتعددة: المادية والروحية،
الفردية والجماعية، الأخلاقية الخاصة والإنسانية...
والإنسان
بهذه الأبعاد مخلوق متفرد، فكل تفسير له يلحقه بغيره من الكائنات لا يستقيم، سواء
في ذلك من يفسره بالتفسير الحيوانين أو التفسير الميكانيكي، وهم الذين غلّبوا
المادي فيه، أو يفسره بالتفسير الملائكي أو النوراني، وهم الذين غلبوا الروح فيه.
وهو في حالته السوية يؤدي نشاطه الجثماني على طريقة الإنسان لا على طريقة الحيوان،
ويؤدي نشاطه الروحاني على طريقة الإنسان كذلك لا على طريقة الملائكة، أي أنه يؤدي
كلا نشاطيه "بكيانه المزدوج الموحّد" لا بأي عنصريه منفصلا عن الآخر
ومستقلا عنه.
ويلاحظ
أن معظم الدراسات حول الإنسان اصطبغت بصبغة الجزئية، إذ تصرّ على تفسير "الكل
الإنساني" بالجزء الذي تسلط عليه الأنوار:
فإذا
نظرنا في "مدرسة التحليل النفسي"ن وجدنا "فرويد" يعتبر الدافع
الحيوي للفرد هو الجنس، بينما يراه "أدلار" "الشعور بالتفوق في
ناحية معينة إزاء الجماعة، ويعده "يونج" "الشعور بالنقص ومحاولة
التعويض".
فإذا
تجاوزناها إلى "المدرسة السلوكية، أخبرتنا بأن الإنسان مجموعة من العادات
وردود الفعل الشرطية المنعكسة، (Conditionned
reflexes) التي تنميها البيئة أو
لا تنميها، والتي لا يختلف بعضها عن بعض إلا باختلاف المؤثر.
ونقف
على "المدرسة الميكانيكية" فإذا الحياة عندها -بما في ذلك الحياة
الإنسانية- تشبه الجهاز الآلي المحكوم بضرورات الآلة، والذي تفسر نشاطه كلّه
قوانين الطبيعة والكيمياء.
وأظن
أن الإنسان هذا كلُّه وأكثرُ منه، ولكنه ليس أحدَها فقط، فكل مدرسة من هذه المدارس
كانت تضع إصبعها على حقيقة جزئية في النفس الإنسانية قَمينة بأن تفيد في إلقاء بعض
الضوء على أغوارها البعيدة. تلك النفس التي خلقها الله بسعة عظيمة هي مظهر من
مظاهر القدرة التي وهبها للإنسان وهو يمنحه الخلافة في الأرض، وأعطاه موهبة الحياة
على مستويات متعددة وفي اتجاهات مختلفة، ولذلك فهو يستشعر عددا لا يحصى من
"مشاعر" الوجود، وقد أكثر من نقاط اتصاله بالحياة ليعمّق تفاعله معها، فإذا
الإنسان ذلك الكائن "المزدوج الموحّد"، وخاطبه القرآن من خلال هذا
الازدواج فجاءت معالجته للإنسان متسمة بسمتين رئيسيتين:
أ- الشمول، فلم تقص أي
بعد من أبعاده
ب- التوازن، فلم تغلب
مقوما على آخر، بل أعطت كلا ما يناسبه.
كلّ ذلك في خطاب حواري طريف يأخذ بعين الاعتبار
تلك العلاقة الطريفة بين الحياة والإنسان والتي "جعلت القرآن لا يقف من
الإنسان بمعزل، ولا يقف منه وقوفا فوقيا… ولكنه يقف معه ليحاوره باعتباره رسالة من
السماء إلى الأرض، فلم تعد رسالة فوقية لأنها نزلت لأهل الأرض، والحوار أحد سبل
الاتصال بأهل الأرض".(1)
1-
مفهوم الاستخلاف:
هي
مهمة اختار الله لها الإنسان يوم أصدر ذلك الإعلان الكوني على مشهد من الملائكة
فقال: "إنّي جاعل في الأرض خليفة" (البقرة: 30)، وهو عهد من الله
للإنسان أن يعمّر الأرض ويقوم بشأنها، وينتفع بها. ومكّنه منها،وجعل له سلطانا
عليها.
ويستنكف
كثيرون أن يفسروا الخليفة بالنائب مناب الله القائم مقامه في الأرض حكما وفعلا
وتغييرا، بحجة أن الخلافة لا تتحقق للخلف إلا بعد ذهاب السلف، وهذا ما لا يجوز على
الخالق. وهذا التلازم المدّعَى غير ضروري، فإنا نقرأ قوله تعالى: "وقالوا
الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء" (الزمر:
74)، فنرى الله يورث عباده الجنة، فهل يلزم من ذلك موت المورِّث أو غيابه. كذلك
الشأن بالنسبة للخلافة، ينوب الإنسان ربّه دون غيابه أو خلوّ الأرض من سلطانه
وإرادته، لأنّ الإنسان بعض إرادته. ويؤكّد هذا المعنى قوله تعالى: "يا داود
إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق" (ص: 26).
2-
مؤهلات الخلافة:
ما كان الله ليستخلف الإنسان ويقيمه مقامه في
عمل ناءت بحمله الجبال والسماوات والأرض، إلا لما زوّد به هذا الإنسان من خصائص
ومميّزات رفعته عن مستوى يكون فيه "مجرّد مسرح للإبداع" إلى مستوى يجعله
"منتِجا للإبداع"، ومن "مَظهَر لدقيق الصنع" إلى "مُظهِر
لدقيق الصنع"، تجلّت في عقل "مطلق الإدراك" عبر رحلة التجدد
الدائمة، وفي إرادة مطلقة التصرّف من خلال حتميات طبيعية راسخة، وفي
"عمل" مطلق الإمكان متراكم الثمرات بمرور الزمان، وفي مقومات متنوعة هي
جسور بين الإنسان ومحيطه، تتشكل مع الأيام أشكالا كثيرة، فكل حي من الأحياء
المحسوسة والغيبية له استعداد محدود، وعلم إلهامي محدود، وعمل محدود، وما كان كذلك
لا يصلح أن يكون خليفة عن الذي لا حد لعلمه و إرادته… وأما الإنسان، فقد خلقه الله
ضعيفا، ولكنه مع ضعفه يتصرف في الأقوياء، ومع جهله في نشأته يعلم جميع الأسماء،
فالإنسان بهذه القوة غير محدود الاستعداد و لا الرغائب، ولا محدود العلم ولا محدود
العمل …"(1)
ولعلك تجد غرابة في إفاضة هذه
"المطلقات" على إنسان لشد ما وصم بالضعف، ولكني لا أجد أي تناقض بين
الأمرين، مادام تواردهما على حالين مختلفين، فالإنسان محدود الطاقات كفرد، مطلقها
كجنس، نسبي المعرفة في حقبة معينة مطلقها إذا توالت الحقب، واجتمعت التجربة إلى
التجربة، وانضافت الخبرة إلى الخبرة، وتضافرت و شدّ بعضها بعضا لتقوم على سوقها
بناء متكاملا هو المطلق في توحده النسبي في تجزئه، فيلتقي المقيد بالمطلق، ويتعانق
النسبي والمجرد، لتصل المعرفة الإنسانية بعدها الأقصى في"رؤية الله" يوم
القيامة. وأسوق مسألة الرؤية هذه بعيدا عن المزايدات المذهبية، لأقرأها قراءة
وظيفية راسخة القدم في الواقع، إذ تمثل-حسب ظني- شهادة بأن الإنسان سيدرك كل شيء
في الأرض من"المقيدات "، ذلك ما أفهمه من قوله: "وعلم آدم الأسماء
كلها" (البقرة:31)، فتأتي"رؤية الله" في الآخرة تتويجا للرؤية
"الأرضية" التي حصلها الإنسان بعد رحلة طويلة من البحث المتواصل عبر
مسالك الخطأ والصواب.
3-
دلالات الخلافة:
لا يخفى على ذي بصر ما يحمل مفهوم الخلافة بين
طياته من معنى التكريم المقدم على بساط من المسؤولية: تكريم استشرفته الملائكة وهي
تقول: "ونحن نسبح بحمدك وتقدس لك" (البقرة:30)، ومسؤولية عرضت على
السماوات والأرض والجبال "فأبين أن يحملنها وأشفقن منها" (الأحزاب:72)،
وقد أثبت القرآن حقيقة التكريم فقال: "ولقد كرمنا بني آدم" (الإسراء:70)
ونطق بها حال الإنسان: من حيث تزويده "بمواهب الخلافة"، ومن حيث تسخير
الكون له، مسرحا لإعمال تلك المواهب، ومجالا لعملية التغيير المرجوة، و"أرض
الميعاد" للإبداع الإنساني المنتظر، "وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض
جميعا منه، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" (الجاثية:12).
ويبلغ التكريم ذروته في سجود الملائكة، إذ هو
يتضمن تفضيل المسجود له على الساجد، ومن ثم فالخلافة درجة وجودية عليا بين
المخلوقات يؤكدها:
-
الأمر بسجود الملائكة "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا
لآدم" (البقرة:34)
-
استشراف
الملائكة لهذا المركز استشرافا استبطنه قولهم: " أتجعل فيها من يفسد فيها
ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك" (البقرة:30).
-
حقد إبليس على الإنسان ورفضه للسجود لئلا يقر له بالأفضلية،
"إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين" (البقرة:34).
وأما المسؤولية، فلها مستويان:
مسؤولية مع "المستخلِف" هي
العبودية، يؤسسها الوحي ويرعاها، وما الرسالات إلا صُوًى تنظم طريقها. وهذه
العبودية بشتى أجزائها و مقوماتها قد صبغت بصبغة الحرية، وعليها انبنت، انطلاقا من
الوحي الذي يؤسسها، وانتهاء بالجزاء الذي يتوجها. فالوحي اعتراف عملي بحرية هذا
الإنسان المستخلف، يترسّخ ويتأكد بسمات الخطاب الإلهي في محاورته للعقل البشري من
خلال الإدلاء بالحجة أو المطالبة بها، وتصل بعدها الأسنى في خطب ود الإنسان وتثمين
رضاه "رضي الله عنهم ورضوا عنه" (البينة:8)، "فاذكروني أذكركم"
(البقرة:152).
ومسؤولية مع "المستخلَف فيه"
استثمار وتغييرا وتطويرا، يرعاها العلم، وتضمنها مقومات الإنسان المتعددة، تعطيه
موهبة الحياة على مستويات مختلفة، وتمكنه من تذوق أنواع شتى من كؤوس الوجود
ومشاربه، وتكثر من روابطه بالحياة تعميقا لدوره فيها تأثيرا و تأثرا. فالكون كتاب
صفحاته الفعل الإنساني، وأجداث روحها عمله الذي لا ينقضي، لا يصلحه إلا التطوير
والتغيير كالماء إذا ركد أسن، والإنسان وحده هو المؤهل لذلك بما اختص به من قابلية
التغير و التغيير عبر عقل مستفيد وإرادة حرة منطلقة.
وكأني
بهذا المعنى هو الذي عناه الله بإجابته عن سؤال الملائكة: " أتجعل فيها من
يفسد فيها ويسفك الدماء" (البقرة:30)، قال: "إني أعلم مالا تعلمون"
(البقرة:30)، أعلم من قدرات الإنسان ما لا تدركون، وأراد إقامة الحجة فعلمه
"الأسماء"، فجاء بما لا تستطيعه الملائكة، فأذعنوا لحكمة الله، وسلموا
لهذا الإنسان بأحقيته بالخلافة فسجدوا.
ونختم
هذا العنصر برصد بعض الدلالات وتقديمها في الجدول التالي تقريبا لجناها، ولا ندعي
الإحاطة وإنما أردناها دليلا على غيرها:
|
من المستخلَف |
من المستخلِف |
|
المسؤولية الإعمال الاستثمار |
التكريم المؤهلات (التزويد بالمؤهلات) التسخير |
4-
تبعات الاستخلاف:
محور عملية الخلافة حسن تمثل صفات المستخلف،
وذلك عبر مسيرة طويلة من التغير والتغير سعيا إلى الأكمل، يرحل فيها الإنسان من إبداع
إلى إبداع، موقعا في التاريخ بأفعال لا يفتر عنها تجاوزا للقائم، لا يضع عصى
الترحال بحثا عن الأمثل يحدوه قوله تعالى: "هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا،
فامشوا في مناكبها وكلوا واشربوا من رزقه وإليه النشور".
فالخلافة صيرورة إنسانية لا تتوقف، تنهل من
قاموس التغيير كـ" العمل"، و"البحث" و"الكشف"
و" الاختراع"، وغيرها من أخواتها الكثيرات التي جافينها برهة من الزمن
فجافانا التقدم، لما أشهرنا كلمات قاتلة مثل"ليس في الإمكان أبدع مما
كان" أو "لم يترك الأول للأخر شيئا". فوقفنا، بل تراجعنا لأنه
"لا ثبات" فإما حركة إلى الأمام و إما إلى الوراء، وشهد الزمان وكله
عجب، رحلتين متضادتين في الاتجاه، واحدة متسارعة إلى الأمام على وقع القاطرة
البخارية، فالطائرة، فالصاروخ… بينما تهوي الأخرى إلى مجاهيل من التعطيل و التخلف،
لولا بقية من الذين لم تصبهم تلك الشعارات بـ" العشى"، فراحوا يحاولون
كبح جماح "رحلة التراجع" والتقليص من أضرارها، لينجحوا بعد لأي في تغيير
وجهتها، وتنطلق عملية البناء. عملية لم تستلهم إلى الآن على الوجه الأمثل معنى
الخلافة في الأرض، فحرموا القوة على "الاندفاع التاريخي".
وأعود
إلى تعجب الملائكة من جعل الإنسان خليفة، ذلك التعجب الذي أخفى أمرا كتموه في
أنفسهم ألا وهو أحقيتهم بالخلافة، وذلك لما ظنوا أن "مؤهل استحقاق"
الخلافة وجوهرها يكمن في الإكثار من الذكر والتسبيح، وهم من هذه الناحية أجدر من
الإنسان" ونحن نسبح بحمدك و نقدس لك"، فتأتيهم إجابة الله حاسمة أنه
زوّد آدم بأساس فاق به الملائكة تمثل في قابليته "للعلم"، فكانت بذلك
مسيرة علم، هو "تأشيرة" خلافته لربه.
4-
تجليات الخلافة
إن
من أظهر ما يميز الإنسان عن الحيوان- رغم اتفاقهما في أكثر"الدوافع"-
طرق "الاستجابة" لهذه الدوافع، إذ هي تختص عند الإنسان بأمور منها:
أ- تعدد الطرائق: فالإنسان لا يتخذ في تحقيق
مبتغاه سلوكا واحدا، وإنما يختلف هذا السلوك من فرد إلى فرد، كما يختلف بالنسبة
للفرد الواحد من حالة إلى حالة.
ب- التصنيع: فالإنسان لا يأخذ الأمور على
حالتها الخام، وإنما يغيرها من فترة إلى فترة، ومن مكان إلى مكان.
واقتصرت
على هذين الخاصيتين لما توحيان به من ضرورة تغير واقع الإنسان، مادام" يعدد
طرائق "استجابته" ومادام "يُصنّع" و"يُغيّر" الأمور
من حالتها الخام، وهذه الأفعال هي بعض تجليات "الإنسان الخليفة".
"فقد ظهرت آثار الإنسان في هذه الخلافة على الأرض، ونحن نشاهد عجائب صنعه في
المعدن والنبات، وفي البر والبحر والهواء، فهو يتقن ويبدع ويكتشف ويخترع ويجد
ويعمل، حتى غير شكل الأرض. فجعل الحزن سهلا، والساحل خصبا، والخراب عمرانا،
والبراري بحارا وخلجانا، وولد بالتلقيح أزواجا من النبات لم تكن، وقد تصرف في
أبناء جنسه من أنواع الحيوان كما يشاء بضروب التربية… أليس من حكمة الله الذي أعطى
كل شيء خلقه ثم هدى أن جعل الإنسان بهذه المواهب خليفته في الأرض: يقيم سننه،
ويظهر عجائب صنعه…"(1)
1-
من بواعث الاختلاف
موقع
هذا الإنسان في الحياة" تخييرا" و"تيسيرا" هي مشكلة الإنسان
قبل أن تكون قضية الإسلام، فقد عرفها الفكر الإنساني منذ القدم، وانقسم فيها قسمين
كبيرين، وجد صداهما في الفكر الإسلامي: قسم يُغلّب "الحرية" ويوسّعها حتى
تتلاشى إلى جنبها كل "ضرورة"، وقسم ينفخ في"التيسير"، فإذا
الحرية اسم بلا مسمى. وبين هذا وذاك محطات من محاولات التوفيق. كانت هذه المعضلة
"كامنة" في نفوس المسلمين، تمنعها خطوات البناء في بدايتها أن تظهر،
ويلجمها الفعل في الواقع أن تتكلم، رابضة لم تجث على ركبتيها إلا فترة
"استقرار" البناء، و"حركة" التطور التي فرضها الانفتاح على
الشعوب المجاورة، ليخرج المجتمع الإسلامي من مرحلة "البساطة" إلى مرحلة
"التركيب" :فإذا العقول تتشكل، وإذا المذاهب تولد وإذا الأسس تختلف.
ولما
أرادت الفرق الإسلامية أن تبحث هذه المسألة، انطلقت من إثبات الإرادة لله ولإنسان، ولكن لما أرادت وضع ملامـح
العلاقة بين الإرادتـين، اتسع الفتق بينها وفاء للمنطلقـات المذهبية، خاصـة وأن
المجال رحـب لإعمال هذه المنطلقـات، رحابة يضمنـها البعد الغيبي للقدر، فالغيب طيع
لكل عملية تشكيل، يغريك في البداية بطواعيته، ويصدمك في النهايات بتنائي حقيقته
عنك.
لقد
أخطأ البحث في مسألة القدر- حينا من الدهر- الصياغة الإيجابية لموضوع الفعل
الإنساني، حين زج بالحرية الإنسانية في محيط سماوي غيبي، فكانت النتيجة أن أصاب
ضباب الغيب "الغيب" أعين الباحثين، فلم يركل واحد إلا جهة وغابت عنه
أخرى، فحكم بالجزئي المرئي على الكل. وعلاوة على ما نشرته هذه المعالجة العمودية
من غموض على المسألة، فقد جعلت القدر وكأنه حلبة صراع بين" إرادة الله وإرادة
الإنسان، صراع مفتعل ينافي الأصل لكل بحث في علاقة الإنسان بربه وهو الخلافة.
وإذا
كانت الأسس المذهبية قد هيأت للخلاف، وأرضية المعالجة قد أمدته بقوة، فإن الظرف
السياسي قد ذكى جذوته. فلسان حال التجربة السياسية في حياة البشر يقول: إن القائم
على السلطة رائد جبر، والمعارض زعيم حرية، ذلك تأويل ما اشتهر حول كثير من بني
أمية أنهم نصروا الجبر وشايعوه "فوصولهم إلى الحكم وسلطانهم على الناس إنما
بقدر من الله قد قدر، لا حيلة للناس قي دفعه بذلك كان يمدحهم شعرائهم، ويظاهرهم
قراؤهم"(1).
2-
معالم الاختلاف
سننطلق في بيان هذه
المعالم من تقسيم للفعل الإنساني نحتاجه بعد حين، وهو أن كل فعل إنما هو"
انبعاث إرادي "يتبعه" وجود خارجي"، وإذا نظرنا إلى الفرق الإسلامية
من خلال هذين المستويين، وجدنا الجبرية تزعم أنهما من الله كليهما، بينما تراهما
المعتزلة من الإنسان، وهو معنى خلقه لفعله، واختار الأشعرية حلا توفيقيا،
فالانبعاث الإرادي من الإنسان، والوجود
الخارجي من الله، وهو "الكسب" في بعض معانيه.
ويمكن تقسيم المذهبين
بــالنسبة للحرية إلى مذهبين:
أ-
نفاة الحرية عن الإنسان، وهم"الجبرية"
ب- مثبتوا الحرية له، وهم"المعتزلة"
و"الأشعرية"، غير أن كل واحد منهما نظر إلى الحرية من منظار معين:
فالمعتزلة أضافوا إليها تنزيه الله تعالى أن يصدر عنه قبيح مادام"
عدلا"، وفعل الإنسان حسن وقبيح، فلا يمكن أن يصدر عن الله، بل الإنسان هو
الخالق له، قال القاضي عبد الجبار: "إن الغرض من القول بخلق الأفعال، هو
الكلام في أن أفعال العباد مخلوفة فيهم، وأنهم المحدثون لها"(2).
وأما الأشعرية، فقد حكموا بعدا آخر، وهو تعظيم الله أن يكون له شريك في خلقه،
فأثبتوا خلق الأفعال لله وليس للإنسان إلا كسبها.
المعتزلة
Ü حرية الإنسان + تنزيه الله (لا يصدر قبيح ) = الإنسان خالق لفعله.
الأشعريةÜ
حرية الإنسان + تعظيم الله (لا خالق إلا
الله) = الإنسان كاسب لفعله.
3-
دلالات الاختلاف:
لقد
شملت هذه المسألة من مسائل العقيدة من الخلاف ما يؤسس عند كل منصف "نسبية
الحق" في كل شيء، ويرسخ عدم مشروعية الإقصاء، إذ الحق ليس عند أحد، وهو مفرق
بين كل أحد، ويهز استرسالنا مع" التعميمات "المخبطة" لأذهاننا، ولو
كان في ما نبحث أمر يستحق الاتفاق المطلق لكانت العقيدة، وها نحن نراها وهي في
ذروة مباحثنا لاتصاله بالإيمان، لم تخل من مواطن اختلاف وتناقض مواقف. لقد شاء
الله أن يخلق الإنسان لا يصلحه" الجاهز" بقدر ما يحقق
ذاته"البحث" و"الاجتهاد"، وهنا أجدني أقف على الذي وقف عليه"
كانط" رغم اختلافنا في المنطلقات، من أن الطبيعة -على حد تعبيره-"أوْلت
في الإنسان احترامه لذاته احتراما حكيما أهمية أكبر من تلك التي أولتها
لرفاهِه"(1)
ويشهد هذا الاختلاف أيضا على حضور بعد
العقلانية في تناول مختلف الفرق للمسألة، حيث التزموا بحرية النظر في قضايا عدوها
ذروة سنام الإسلام، وراحوا يؤولون النصوص تحدوهم أسس مذاهبهم والمتوفر لهم من
معارف نظرية. حتى الجبرية لم تجاف هذا المعنى، بل إن رائدها الأول "الجهم بن
صفوان" كان رائدا من رواد التأويل إلى حد عده عند الكثيرين من أسلاف المعتزلة
رواد الفكر التحريري في التاريخ الإسلامي رغم اختلافهما في مسألة القدر. بل قد
يكون الجبرية هم طليعة المطلين على"الحتمية الطبيعية" ببصر لم يحد بعد،
في واقع معرفي لم تتماسك لبناته، فلا غرابة أن تصيبهم شوائب من أخطاء شتى، وهم
يترسمون طريقا بكرا لم تطأه قدم فكر قبلهم، ويتلمسون "منزلة" لم تسمح بها
مسيرة الفكر الوئيدة في تلك العصور.
ومازال
الاختلاف يغدق علينا من"ثرائه الدلالي" فيقف بنا على
باب"التاريخية" الذي يأنف الكثير من رواد الفكر الإسلامي أيامنا هذه من
تخطيه خشية الذوبان. خشية سجنت الإسلام وصفدته أن ينطلق ليساهم في إثراء الفكر
الإنساني بما يناسب الزمان والمكان وحس التاريخية حس أصيل في"الإسلام"
مضى على هدية أجدادنا ممارسة وقول، واستفاضت على ألسنتهم كلمات بليغات كانت كفيلة
أن تزيح عن نفوسنا خوفنا المعطل لطاقتنا، مثل ما أثبته "ابن القيم"
من "تغيير الفتوى واختلافها بحسب تغيير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات
والعوائد"(1) ونبه على أن هذا الأصل الخطير
"وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف مال
لا سبيل إليه، ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي
به"(2).
ونصحب
الاختلاف مرة أخرى، فإذا هو يطل بنـا على "معنى" أطلق الأذهان بحثا،
والألسنة جدلا، والأقلام تصنيفا، ألا وهو علوّ منزلة الإنسان، إذ بوحي من هذه
المنزلة أنفقت الأعمار دراسة ونظرا، وفي "محرابها" طلت جباه الأقلام
ساجدة حقبا متتالية، ولا تزال في سجودها لا تخرج من "حرمه" حتى يأتيها
اليقين".
ولن ننهي مع" الاختلاف" حتى نؤكد على
أنه في هذه المسألـة وفي غيرها دليـل "ثراء" في الفكر الإسلامي نعتز به،
اعتزاز استلهام واستئناس لا اعتزاز ثبات واكتفاء، "فكم ترك الأول للآخر"
من حقائق تثبت، وثغرات تُسد، وأخطاء تُتَجاوز، بذلك يحيا العلم، وبذلك نحيا نحن إذ
أن "العلم لا يحيا بإقرار الحقائق، بقدر ما يحيا بتجاوز الأخطاء"(3)
1-
أصالة الحرية في الإنسان:
تتضافر عدة معان لتؤكد أن الحرية متأكدة في الإنسان،
ابتداء بالخلافة، سواء في مستوى المفهوم، أو المؤهلات والمواهب، أو دلالاتها، أو
تبعاتها، أو تجلياتها. فلا يقوم مقام الله إلا حر، وتزويد الإنسان بالمواهب مع
سلبه الإرادة عبث، ثم أي تكريم لكائن هو مقهور في كل شيء، وهل المسؤولية دون حرية
إلا ظلم، وأخيرا ألسنا نمدح المبدعين إذا "أبدعوا"، ونعيب المتخلفين إذا
تخلفوا؟ فأي جدوى لمدحنا؟ وأي قيمة لتفريقنا بين التصرفات إذا استوت في كون
الإنسان يأتيها ضرورة؟
ويزيدك
وثوقا بهذه "الأصالة" إنك لا تجد طارئا يطرأ على الإنسان مما اصطلح عليه
بأنه قسري في حياته مثل المرض و الموت إلا وهو في إطار شبكة من الأسباب تفسره في
أغلب الأحيان، مما يجعل الإنسان قادرا على التقليص منها، أو إدخال بعض التغيير
عليها، ألم ينجح الإنسان بتطوير الطب والنظام الغذائي أن يقلص من عدد الوفيات.
وإذا آلمك عدد الموتى هذه الأيام من حـرب أو مـــن" السيدا" ألست ترجع
باللائمة على ابن آدم قاتل أخيه وقاتل نفسه؟
ونلمس الأصالة مرة لأخرى عندما نجد أغلب
الجوانب" القشرية" أو "الضرورية" في حياة الإنسان مشوبة
بالحرية، وذلك كالذي عرضنا إليه في بعض ما سلف من مظاهر اختلاف الإنسان عن الحيوان
في الاستجابة للدوافع الغريزية، إذا الإنسان لا يحس بالقهر الكامل إزاء الدافع من
حيث امتلاكه الامتناع عنه ولو لفترة، وامتلاكه التصرف في طريقة الاستجابة،
وامتلاكه القدرة على تنظيمها.
2 - من الغيبية إلى الواقعية:
إن
سير الكون على نظام معين، ووفقا لسنن معينة في تقديراتها الكمية والكيفية هو
القدر، أو هو من القدر، وهذا المعنى قرآني النسب، تشير إليه الآيات وتؤكده، مثل
قوله تعالى: "وأنزلنا ممن السماء ماء بقدر" (المؤمنون:18) وقوله:
"والله يقدر الليل والنهار" (المزمل:20)، ويبلغ به أقصى درجات التجلية
قوله: "وخلق كل شيء فقدره تقديرا" (الفرقان:2)، وقوله: "إنا كل شيء
خلقناه بقدر" (القمر:49)، فإذا "القدر" ليس "الخلق" بل
هو معنى وراء الخلق، إنه "الموازين" التي رُكّب الكون وفقها، أوهي
"الحتميات الطبيعية" التي تسير الحياة على هديها.
هذا المعنى الأرضي للقدر، كفيل بأن يخرجه من
ضبابية بعده الغيبي، ليجعله رافد المسيرة الإنسانية في الكون "مسرح"
خلافته، وهو ضمين أن ينشـر السلـم بـين "التيسير" و"التخيير"،
فيتكاملان ويتناغمان ليصنعا فعلا إنسانيا متفردا في نوعه، تحرر من حيث أجبر، وأطلق
من حيث قُيِّد، وهو رأي له سلفه في فكرنا الفلسفي، تبنّاه ابن رشد وهو يعلن "أن
الله تبارك وتعالى قد خلق لنا قوى نقدر بها أن نكتسب أشياء هي أضداد، لكن لما كان
الاكتساب لتلك الأشياء ليس يتم إلا بمواتاة الأسباب التي سخرها الله لنا من خارج
وزوال العوائق عنها، كانت الأفعال المنسوبة إلينا تتم بالأمرين جميعا…هذه الأسباب
التي سخرها الله من خارج، ليست هي متممة للأفعال التي نروم فعلها أو عائقة عنها
فقط، بل وهي السبب في أن نريد أحد المتقابلين"(1)
فالإرادة
الإنسانية حسب" ابن رشد" في علاقة جدلية مع الظروف الذاتية والموضوعية،
ولهذه الظروف بمختلف أنواعها: الطبيعية والنفسية والاقتصادية والاجتماعية
والسياسية حضوران:
- حضور فبلي: إذ تساهم في توجيه إرادتنا
- حضور بعدي: إذ هي متممة لما نريد فعله أو
عائقة عنه.
وقد
عانق "الأسسَ" نفسَها، بعضُ المصلحين أمثال "الأفغاني"
و"عبده" وهما يصرحان بأن الإرادة الإنسانية أثر من آثار الإدراك أو
الوعي، والإدراك إنما هو انفعال النفس بما يعرض على الحواس، وبما أودع في فطرتها
من الحاجات.
فالإرادة عند الرجلين حلقة من حلقات سلسلة من
الأسباب، تناغم فيها التسيير والتخيير ليكون الأول "أرضا" و
"الثاني" صرْحا تُنشيه يد العزم والفعل في الإنسان، أو الأول"
آلة" والثاني "معزوفة" هي لحن الإبداع والتغيير. فالإنسان حر في
إطار قوانين تنظم الكون، لولاها لما "صنع"، إذ في ظل العشوائية لا يقدر
الإنسان على شيء، وبعبارة، إن حتمية المادة هي التي تهبه أول شكل من أشكال حريته(1).
والعلوم "إذ تقر بالضرورة التي تحكم الأشياء، تهبنا الوسائل التي بها نستطيع
أن نسيطر عليها"(2)
و"ظني" أن بين "ابن رشد"
و"الأشعرية" فرق جوهري قد يغيب على الكثيرين، ففضلا عما قيل من غموض
مقالة "الكسب" وعن تباين الآراء في تحديد معناها، فبين الموقفين تماثل
ظاهرا، وتخالف حقيقة، فرأي ابن رشد "نقدي" أو "تحليلي
تركيبي"، بينما سلك الأشعرية مسلكا "توفيقيا"، حاولوا فيه التوفيق
بين "الضرورة" و"الاختيار" كقيمتين متعارضتين، فجاء القدر على
شكل أشلاء ممزعة ضمت إلى بعضها بعضا. بينما نهج ابن رشد نهجا آخر، فحلّل كلاّ من
الحرية والضرورة ليصل إلى التوافق الجوهري بينهما، ثم اتخذهما بأبعادهما خيوطا نسج
منها نسيج الفعل الإنساني المتماسك المتحد.
3
- من السلبية إلى الإيجابية:
إن
هذه المعالجة الأفقية للقدر خير حافز للإرادة الإنسانية أن تنطلق، ولفعله أن
يندفع، ولخلافته أن تزهو في أبهى حلل الإبداع، يحركها قوله تعالى: "هو الذي جعل
لكم الأرض ذلولا، فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور" (الملك:15)،
أو قوله في بعض آية: "وقل اعملوا" (التوبة:105)، "فلا يبدأ مجال
الحرية إلا حيث ينتهي العمل الذي تحدده الضرورة الغائية والخارجية.. وإنما يبدأ
-بعد تجاوز ذلك المجال (مجال الضرورة)- تفتق القوى الإنسانية، وهو تفتق يشكل غاية
لذاته، كما يشكل المجال الحقيقي للحرية، غير أنه لا يتفتق إلا على أساس مملكة
الضرورة هذه"(1)، فتتسع
دائرة الحرية كلما اكتشف الإنسان القوانين الحاكمة للكون، يعرفها فيعرف كيف يتجاوز
سلطتها بتوظيفها أو بإيجاد الحلول المناسبة لها.
ولا
يفوتني وأنا أهم أن "ألقي العصى" إلى حين في هذا البحث -استجابة
"لضرورة الإمكان الزماني" وتماشيا مع "ضرورة الأهداف المرسومة
له"- أن أشير إلى بعد إيجابي هام في مسالة القدر، مستقره الأصلي
"الوجدان"، ثم يفيض على "العمل" من ظلاله، فغذا هو منطلق من
أسر "الخوف"، مرتم في يم الإقدام. ويؤسس هذا البعد قوله تعالى: "ما
أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفئكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على
الله يسير، لكيلا تأسوا عاى مافاتكم ولا تفرحوا بما اتاكم، والله لايحب كل مختال
فخور". (الحديد:22)
"إن
أجل آلامنا ومخاوفنا وأحزاننا ومآسينا تنفجر نت إحساس ثقيل مرهق بأن فرصة ماقد
فاتتنا، وبأن فرحة ماستفوتنا عما قريب…فيسحقنا الندم، ويشلنا الحزن عن الإنطلاق
الدائم صوب الأمام، من أجل أن نحظى بمزيد من الفرص، ونتحقق بمزيد من
الإنتصارات."(2)
فالإنسان
قد يفوته شيء من مبتغاه بسبب سوء تقديره، كأن يريد إرضاء خليل فيغضبه، أو يطلب كسب
رزق فيفوته، أو يسعى إلى مناجاة فيسقط في مهلكة، فيعود بالائمة على نفسه، وفد
يفوته بسبب منازع له فينبري لمناضلته، وقد يكون لأمر أبعد من ذلك: كأن هب الريح
فأغرق بضاعته، أو نزل صاعق فأحرق ماشيته(3) فلا يجد
حلا إلا في الرضى بما أصابه به الله، والإنطلاق إلى تجربة أخرى متخلصا من براثن
الأسى القاتلة لأنه "غل ثقيل يأسر الإنسان ويرتد بوعيه إلى الماضي لكي يسفح
عند نصبه الدموع ويستل الحسرات دون أن يتاح له أن يخطو خطوة واحدة من أرضية الحاضر
صوب آفاق المستقبل…"(1)
كنت أهيء في نفسي كلملت أختم بها هذه المرحلة
المحفوفة بالمخاطر، والتي "نازعت فيها الأقدار بالأقدار للأقدار(1)،
ثم لويت عنان قلمي عما جال في خاطري إلى ماوافقه من كلمات قالها الشيخ "محمد
عبده" وهو يختم فصل "أفعال العباد" في كتابه "رسالة
التوحيد"، وجدت في جلها جل ماتهفوا إلى قوله نفسي، غير أن عليها مع مابها من
"بهجة حق" روائح عتقا ملكت علي أقطار قلبي، فضممت زفراتي إلى زفراته، وأسكنت
كلماتي في كلماته، لأقول معه: "ولوشئت لزدت في بيان ذلك ورجوت أن لايبعد عن
عقل ألف النظر الصحيح، ولم تفسد فطرته بالممحكات اللفظية، لكن يمنعني عن الإطالة
فيه عدم الحاجة إليه في صحة الإيمان، وتقاصر عقول العامة عن إدراك الأمر في ذاته
مهما بالغ المعبر في الإيضاح عنه، والتياث قلوب الجمهور من الخاصة بمرض التقليد،
فهم يعتقدون اللأمر ثم يطلبون الدليل عليه، ولايريدونه إلا موافقا لما يعتقدون،
فإن جاءهم بما يخالف مااعتقدوا نبذوه ولجوا في مقاومته، وإن أدى ذلك إلى جحد العقل
برمته.
فأكثرهم
يعتقد فيستدل، وقلما نجد بينهم من يستدل ليعتقد، فإن صاح بهم صائح من أعماق
سرائرهم: وبل للخابط، ذلك قلب لسنة الله في خلقه، وتحريف لهدية في شرعه، عرتهم هزة
من الجزع ثم عادوا إلى السكون محتجين بأن هذا هو المألوف، وماأقمنا إلا على
المعروف، ولاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم"(2)
(1) عبد الكريم غلاب: صراع المذهب والعقيدة: 36-37
(1) عبد الكريم غلاب: صراع
العقيدة والمذهب: 36-37
(1) محمد رشيد رضا: تفسير
المنار: 1/257-260
(1) محمد رشيد رضا: تفسير
المنار: 1/257
(1) الأصفهاني: الأغاني: 10/99
(2) القاضي عبد الجبار: شرح
الاصول الخمسة: 323
(1) كانط: من مقال ورد في فلفسة
التاريخ
(1) ابن القيم: أعلام الموقعين:
3/1
(2) م/ن
(3) نظرية الأدب: نصوص للشكليين
الروش: جمعها وقدمها وترجمها "تودوروف"
(1) ابن رشد: الكشف عن مناهج
الأدلة: 107
(1) سارتر: مواقف (فصل المادية
والثورة)
(2) دوركايم: مقال "علم
الاجتماع والعلوم الاجتماعية"، ورد في كتاب "المنهج في العلوم"
(1) ماركس: راس المال: الجزء3
(2) عماد الدين خليل: آفاق
قرآنية: 141
(3) انظر محمد عبده: رسالة
التوحيد: 74
(1) عماد الدين خليل: آفاق
قرآنية: 141
(1) كلمات استلهمتها من الشيخ
عبد القادر الجيلاني
(2) رسالة التوحيد: 77-78